كالمعتاد أذهب إلى عملى كل يوم فى الصباح الباكر حوالى الساعة
السابعة صباحاَ ، وما أكاد أخرج من بيتى حتى أجد الهواء البارد يكاد يقـتلع المارة بالشارع ولا ينقص هذا الجو سوى كريات صغيرة بيضاء من الثلج تهبط من السماء لتؤكد لك أنك فى شتاء غير عادى،
وعادة مايكون هذا الجو هو السائد فى أيام الشتاء.
وفى يوم من الأيام تأخرت قليلاَ عندما غلبتنى سنة من النوم فى هذا الجو المشجع- على النوم والإستدفاء حينما يكون الجميع يشعر بالبرد-.
لكن لابد أن أذهب للعمل فنزلت متأخراَ وطبيعى لم أجد ما يوصلنى إلى عملى سوى أتوبيساَ واقفا فى موقفه، والناس يملئونه ما عـدا
مكاناَ واحداَ فجلست فيه وحمدت الله أن وجدت مكاناَ فى هذا الأتوبيس الذى لا يخلوا من الناس ابداَ ويستغرق فى سيره وقتا من الزمن ولكن كما يقال "المضطر يركب الصعب" أو الأوتوبيس.
وتحرك الأتوبيس وما كاد أن يقف فى أولى محطاته إلا وقد إمتلأ
بالناس الواقفين بين المقاعد.
كم يضايقنى هذا المشهد بأن أرى أتوبيساَ مزدحم وأتساءل كيف يقبل
الناس أن يقفوا كل هذا الوقت والغريب أنه يكون منهم العجوز،والنساء الذين من المفترض أنهم لا طاقة لهم بالوقوف الطويل .
ولكنى عندما تأملت فى وجوههم وجدتهم يحملون بين طيات جباههم
هما أكبر من ذلك، فالأمر بالنسبة لهم ليس وقوف بالمواصلات أو صعوبة فى الوصول إليها بل بالعكس الموضوع أكبر من ذلك.
وبينما تفكيرى منشغل بهذه الأفكار أجد صوتا عاليا َ وشجاروعندما نظرت وجدت "الكمسرى"أو محصل التذاكر يتحدث بصوت عالى مع أحد الركاب ويقسم الراكب بأنه لن يدفع إلا هذا الجنيه ، ويقسم المحصل بأنه لن يأخذه منه ويقول له:اخد منك جنيه قديم ومقطوع إزاى.وقف يا اسطى محمد عشان ينزل.
ويقف الأتوبيس, ويقسم الراكب بأنه لن يدفع إلا هذا الجنيه ولن ينزل ولما وقف الأتوبيس صاح الناس جميعاَ غاضبين من السائق
مطالبينه بعدم الوقوف للحاق بعملهم،وكل من الكمسرى والراكب ُمصِرٌ على موقفه، والراكب يصيح غاضباَ :إحنا بنلاقى الفلوس ف الشارع, هى دى الفلوس اللى بناخدها ومعيش غيرها، اعترض بقى على عملة البلد .
ولم ينقذ هذا الموقف ،إلا شاب بدل الجنيه وأعطاه للكمسرى حتى
يحل المشكلة.
وبعد أن سار الأتوبيس كان رجلا عجوزاَ يجلس بجوارى فأخد يسب في الراكب والكمسري لعنادهما وتفاهة ما يتشاجرا عليه
وقال لى:الناس بقت تقول شكل للبيع ولا حدش عايز يجى على نفسه
ويتحمل الناس،إحنا مكناش كدة زمان،ولا كنا بنعامل أو نتعامل بالشكل العفش دة.
ولم يكن هناك رد منى سوى أن أهز رأسى على كلامه كدليل على إتفاقى معه فيما يقول.
وكلما يقف الأتوبيس فى محطة من محطاتهأجده يزداد إزدحاماَ ويزداد عدد الناس الوقوف بين المقاعد .وذكرنى هذا بالفكرة التى كانت برأسى عندما ركبت الأتوبيس وتأ ملت وجوه الواقفين أجد بين الطيات التى ترسم العبوس على وجوههم هموماَ لا أول لها ولا أخر،تجعل كل واحد منهم كالتائه فى هذه الدنيا أو تجعله مكتئباَ
أوممن يبدو عليهم المرض النفسى.
لم استنتج ذلك من فراغ فلو كنت مكانى ورأيت مناظرهم لشككت فى أنهم أعضاء فى نادى"المكتئبين والمتشائمين".
وعندما ارتفع بصرىإلى جانبى وجدت واحداَ ممن حثتكم عنهم،
إنه رجل عجوز ممن أعياهم الهم والشقاء،فاستشعرت خجلاَ من نفسى أن أراه واقفا وأنا جالس بغير حياء، فالله يستحى من المشيب.
بلا تردد قمت وأجلسته مكانى، رغم أنه رفض فى البداية،لكنى أصررت على ذلك.
ولم أعرف بأن الرجل قد سعد بجلوسه إلاعندما دعا لى قائلاَ:
ربنا اله يبارك لك فى صحتك يا بنى ويكتر من أمثالك،
والله يبنى لولا احتياجى للمعاش الصغير دة ما كنت تحركت من بيتى، وبرغم كدة بيكفى الشهر بالعافيةوربك بيسترها.
ولم أفعل بعد كل ما سمعت إلا أن حمدت الله على أن عافانا مما ابنلى به كثيرا من خلقه.
وبينما أنا مهموم بما يجول بخاطرى من شأن هؤلاء الناس، أسمع صوتاَ غير واضح،لكن لما اقترب الصوت وجدته سائلاَ يسأل الناس أن يجودوا عليه بما يستطيعوا.
أهل ضاق به الأمر بأن لا يكتفى بأن يسأل المارة فى الشوارع،حتى يسأل أيضا ركاب الأتوبيس،وليته يسأل من يقدرون على مساعدته.
لكن ما يدهش أكثر ؛عندما اقترب الرجل أكثر وجدته لايزيد عن الأربعين وملابسه غير ممزقة ولا عاهة به أو عجز، ورغم ذلك يسأل الناس ويلح فى السؤال خاصة على النساء والفتيات صغيرات السن فيتأثرن بحاله ويعطونه المال.
عجبا لحال هذا الرجل سنه وقوته يعبنانه على العمل ورغم ذلك لا يعمل، حقيقة غضبت بشدة وهذا الغضب جعلنى أفعل مثل الباقين بأن أتحدث مع أى واحد فى هذا الأتوبيس ولم أجد إلا الكمسرى،
وحدثته بما رأيت وشعرت به من غضب،فأخبرنى بأن هذا الرجل دائم التسول على أتوبيس هذا الخط حتى يجود الناس عليه بما يقدروا.
وزادنى هذا حيرة، هل الرجل لأنه لا يجد عملايفعل مثل هذا الفعل
ولكن بعد تفكير طويل لم أجد من عقلى إلا استنكاراَ لما رأيتورفضاَ لأى مبرر لهذا العمل.
ما هذا؟! لقد أصبح الأتوبيس شارعاَ متنقلاَ ، فما لبث أن وقف حتى
صعد رجلاَ أخر كبير السن يحمل صندوقاَ كبيراَ يقول مردداَ:
أى حاجة بجنيه واحد بس.
ويمر على كل راكب،ويقول له هذه الجملة حتى يقـنعه بشراء أى شىء.
وكأن الكمسرى قد فهم مقصدىفقال لى :الظاهر إنك أول مرة تركب الأتوبيس، أهو الواحد من دول يفضل داير على كعوب رجليه من أول اليوم لاخره عشان يجيب اللى يأكله وعياله فى يوم واحد.
فقلت له :ربنا يعينه ويعيننا ويغنينا بما فيه الحلال.
أه ، لقد حان الوقت لكى أنزل من الأتوبيس ونزلت منه وأنا أشعر بالام من الوقوف والتفكير فى آن واحد، وكأن هذا الركوب لأفقدنى نصف طاقتى الذهنية والبدنية وجعلنى أنزل إلى عملى وأنا لا أطيق الهواء الذى يمر أمام وجهى.
لكنى عاهدت نفسى ألا أتأخر فى استيقاظى مرة أخرى وأن أصحو
فى المعاد، حتى أركب "الميكروباص" الذى يوصلنى لعملى بشكل مريح نسبياً وأوفر على نفسى عناءَ ومجهودا مهدراَ بلا فائدة.
انتهت............
هذه قصة قصيرة لكنها أرجو أن تكون مسلية وتدعو للتفكير فى نفس الوقت
المؤلف.


